يحلّل سلطان العامر التحول الذي طرأ على السياسة الإقليمية السعودية، ويرى أن الرياض انتقلت خلال سنوات قليلة من خطاب صدامي وتدخل مباشر إلى نهج “صفر صراعات” يقوم على التهدئة والحياد والوساطة، حتى لو قاد هذا التحول إلى احتكاكات جديدة مع حلفاء تقليديين يتبنون سياسة المحاور والضغط بالوكلاء.

 

توضح مجلة نيو لاينز أن المفارقة لا تكمن في تبدّل اللغة السياسية فحسب، بل في إعادة صياغة فلسفة الأمن السعودي نفسها بعد صدمات متراكمة، وفي مقدمتها هجوم 2019 على منشآت معالجة النفط في شرق المملكة، حين كشف الهجوم حدود الردع التقليدي وكلفة الانخراط في حروب الاختيار، ودفع الرياض إلى البحث عن مظلة استقرار عبر المصالحة بدل المواجهة.

 

من “محور الشر” إلى سياسة “صفر صراعات”

 

يستعيد العامر لحظة 2018 حين وصف ولي العهد محمد بن سلمان إيران وجماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الجهادية بأنها “محور شر”، بينما خاضت المملكة حربًا بالوكالة ضد إيران في اليمن، وقطعت العلاقات مع قطر، وساندت مقاطعة اقتصادية غير رسمية لتركيا بحجة دعمها جماعات إسلامية.

 

ثم يرصد كيف أعلنت السعودية بعد خمس سنوات انسحابًا أحاديًا من اليمن، وطبّعت العلاقات مع إيران، وساعدت في الدفع نحو وقف إطلاق نار في السودان عبر دعم الجيش المتحالف مع قوى قريبة من الإخوان، قبل أن تدعم لاحقًا القيادة الجديدة في سوريا برئاسة أحمد الشرع رغم الخلفية السابقة للرجل في قيادة “هيئة تحرير الشام” المنشقة عن القاعدة.

 

لا يفسّر العامر هذه الخطوات بوصفها “ميلًا سعوديًا نحو الإسلاموية” كما يقول بعض المراقبين، بل يقرأها كاستجابة لتغير بيئة استراتيجية إقليمية وداخلية. يعتمد النهج الجديد على الحياد والمصالحة، ويهدف إلى تقليل نقاط الاشتعال حول المملكة، لكنه يضعها — بشكل يبدو متناقضًا — في مسار تصادمي مع محور تقوده الإمارات وإسرائيل، لأن هذا المحور يواصل الاستثمار في التدخل والضغط عبر الوكلاء.

 

جذور العقيدة القديمة: إدارة التهديدات وبناء التوازنات

 

يرسم المقال خريطة تاريخية لسياسة السعودية الإقليمية عبر ثلاث مراحل كبرى. في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، دفعت بريطانيا بانسحابها “شرق السويس” إلى فراغ أمني اضطر الفاعلين المحليين إلى ملئه. قبل 1968، انشغلت الرياض بتهديدات مرتبطة بمصر عبد الناصر وإسرائيل والحرب الأهلية في شمال اليمن.

 

بعد الانسحاب البريطاني، ظهرت تهديدات جديدة مع تنافس إيران والعراق على السيطرة في الخليج، وتحوّل جنوب الجزيرة إلى مصدر اضطراب بين “ماركسية” جنوب اليمن وتمرد ظفار في عُمان. فرضت هذه البيئة على المملكة سياسة هدفها الأساسي إدارة المخاطر ومنع انهيار نظم الجوار.

 

يتناول العامر أربعة أبعاد حكمت هذه السياسة حتى غزو العراق عام 2003. يركّز البعد الأول على السياسة العربية والصراع مع إسرائيل، ويشير إلى قمة الخرطوم 1967 وشعار “اللاءات الثلاث”، ثم إلى تسوية أنهت الصدام غير المباشر في اليمن بين الملك فيصل وعبد الناصر، وإلى دعم مالي عربي ساعد مصر على إعادة بناء قدراتها بعد حرب 1967.

 

يشرح كيف تشكل “مثلث محافظ” بين السعودية ومصر وسوريا في السبعينيات في مواجهة دول عربية “راديكالية”، وكيف ضعفت هذه الهيمنة بعد كامب ديفيد 1978 والثورة الإيرانية 1979، ثم استعادت بعض قوتها في التسعينيات بعد غزو الكويت وانهيار الاتحاد السوفيتي.

 

يركّز البعد الثاني على العلاقة مع الولايات المتحدة التي بدأت نفطية/تقنية ثم أصبحت استراتيجية بعد حرب 1973 وحظر النفط، مع توسع التداخل الاقتصادي وصفقات السلاح وإعادة تدوير الفوائض النفطية. يتناول المقال كذلك “سياسة الركيزتين” في السبعينيات التي راهنت على إيران الشاه كقوة استقرار، ثم انتقال واشنطن بعد 1979 إلى حضور أكثر مباشرة في الخليج، وصولًا إلى ترسيخ الوجود العسكري بعد 1990.

 

يشرح البعد الثالث سعي السعودية إلى موازنة إيران والعراق لمنع أي منهما من احتكار الخليج، مع تبدل الاصطفافات وفق تغير موازين القوى. يضيء البعد الرابع هدف الهيمنة داخل شبه الجزيرة عبر منع اختراق خارجي وضمان ألا تبرز دولة مجاورة تهدد التفوق السعودي، ويتتبع تعقيدات نشوء الإمارات واستقلال قطر والبحرين، ثم تأسيس مجلس التعاون 1981، قبل أن تضعف حرب الكويت قدرة المجلس على إنتاج أمن جماعي وتفتح المجال أمام سياسات خليجية أكثر استقلالًا.

 

صدمة 2019: لماذا تخلّت الرياض عن التدخلية؟ وما ثمن ذلك؟

 

يعدّ العامر غزو العراق 2003 نقطة انهيار للترتيبات القديمة، لأنه حوّل العراق من “ميزان قوى” إلى ساحة تنافس سعودي–إيراني، ووسّع نفوذ طهران في العراق وسوريا ولبنان، وخلق مساحات صعود لقوى غير دولية، وسمح لقطر والإمارات بتطوير سياسات خارجية أكثر استقلالًا.

 

في هذا السياق، اتجهت المملكة تدريجيًا بعد 2007 إلى تدخلية أكثر حدة، ثم بلغت ذروتها بين 2015 و2019 مع حرب اليمن وقطع العلاقات مع إيران ثم قطر، وإطلاق مقاطعة اقتصادية ضد تركيا خصوصًا بعد قضية جمال خاشقجي.

 

يضع المقال هجوم سبتمبر 2019 على بقيق وخريص كمفصلٍ حاسم: كشف الهجوم هشاشة منظومات دفاعية باهظة أمام أدوات رخيصة ودقيقة، وأظهر محدودية رغبة واشنطن في الرد العسكري المباشر. يدفع هذا الإدراك الرياض إلى تبنّي سياسة “صفر صراعات” لتقليل الاستهداف، فتنهي الخلاف مع قطر في قمة العلا 2021، وتعلن تهدئة في اليمن، وتعيد تطبيع العلاقات مع تركيا في 2022، ثم تستأنف العلاقات مع إيران في 2023 بعد جولات تفاوض.

 

يوضح العامر أن هذا النهج يمنح المملكة مساحة لتقديم نفسها وسيطًا في ملفات كبرى، من الحرب الروسية–الأوكرانية إلى السودان، ومن الدعوة لوقف إطلاق نار في غزة إلى إدارة توترات البحر الأحمر واليمن. لكنه يحمل ثمنًا سياسيًا، إذ يخلق تصادمًا مع حلفاء يواصلون التدخل عبر الوكلاء، وعلى رأسهم الإمارات التي تدعم قوى انفصالية في جنوب اليمن وتساند قوات الدعم السريع في السودان، وتقارب إسرائيل ضمن محور “مناهض للإسلام السياسي”.

 

ينتهي المقال بسؤال جوهري: هل تسمح ديناميات محور الإمارات–إسرائيل للسعودية بالحفاظ على عزلتها عن “حروب الاختيار”، أم تدفعها التحركات الانفصالية والتصعيدات الإقليمية إلى تخفيف نهج “صفر صراعات” والعودة إلى موقف أكثر صرامة؟ يلمّح الكاتب إلى أن المنطقة بلا “مهيمن” واحد، لذا تتبدل التحالفات بسرعة، وأن سياسة التهدئة السعودية ستظل تحت اختبار مستمر طالما واصل الآخرون اللعب بقواعد التدخلية.

 

https://newlinesmag.com/essays/saudi-arabias-break-with-interventionism/